الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور
75
تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور )
والتأييد : التقوية أي جعل الشيء ذا أيد ، أي ذا قدرة على العمل ، لأن اليد يكنى بها عن القدرة قال تعالى : وَاذْكُرْ عَبْدَنا داوُدَ ذَا الْأَيْدِ [ ص : 17 ] . وجملة : وَرَزَقَكُمْ مِنَ الطَّيِّباتِ إدماج بذكر نعمة توفير الرزق في خلال المنة بنعمة النصر وتوفير العدد بعد الضعف والقلة ، فإن الأمن ووفرة العدد يجلبان سعة الرزق . ومضمون هذه الآية صادق أيضا على المسلمين في كل عصر من عصور النبوة والخلافة الراشدة ، فجماعتهم لم تزل في ازدياد عزة ومنعة ، ولم تزل منصورة على الأمم العظيمة التي كانوا يخافونها من قبل أن يؤمنوا ، فقد نصرهم اللّه على هوازن يوم حنين ، ونصرهم على الروم يوم تبوك ونصرهم على الفرس يوم القادسية ، وعلى الروم في مصر ، وفي برقة ، وفي إفريقية ، وفي بلاد الجلالقة ، وفي بلاد الفرنجة من أوروبا ، فلما زاغ المسلمون وتفرقوا أخذ أمرهم يقف ثم ينقبض ابتداء من ظهور الدعوة العباسية ، وهي أعظم تفرق وقع في الدولة الإسلامية . وقد نبههم اللّه تعالى بقوله : لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ فلما أعطوا حق الشكر دام أمرهم في تصاعد ، وحين نسوه أخذ أمرهم في تراجع وللّه عاقبة الأمور . ولم يزل النبي صلى اللّه عليه وسلم ينبه المسلمين بالموعظة أن لا يحيدوا عن أسباب بقاء عزهم ، وفي الحديث ، عن حذيفة بن اليمان قال : « قلت يا رسول اللّه إنّا كنا في جاهلية وشر ، فجاءنا اللّه بهذا الخير فهل بعد هذا الخير من شر » ؟ - قال : نعم - « قلت : وهل بعد ذلك الشر من خير ؟ قال : نعم وفيه دخن » الحديث ، وفي الحديث الآخر « بدئ هذا الدين غريبا وسيعود كما بدئ » . [ 27 ، 28 ] [ سورة الأنفال ( 8 ) : الآيات 27 إلى 28 ] يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَخُونُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ وَتَخُونُوا أَماناتِكُمْ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ ( 27 ) وَاعْلَمُوا أَنَّما أَمْوالُكُمْ وَأَوْلادُكُمْ فِتْنَةٌ وَأَنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ أَجْرٌ عَظِيمٌ ( 28 ) استئناف خطاب للمؤمنين يحذرهم من العصيان الخفي . بعد أن أمرهم بالطاعة والاستجابة للّه ولرسوله صلى اللّه عليه وسلم ، حذرهم من أن يظهروا الطاعة والاستجابة في ظاهر أمرهم ويبطنوا المعصية والخلاف في باطنه ، ومناسبته لما قبله ظاهرة وإن لم تسبق من المسلمين خيانة وإنما هو تحذير . و ذكر الواحدي في « أسباب النزول » وروى جمهور المفسرين وأهل السير ، عن